محمد بن جرير الطبري
85
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذكره لما أخبر عن قوم من أهل الكفر بأنهم لا يؤمنون ، وأن الإِنذار غير نافعهم ، ثم كان من الكفار من قد نفعه الله بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم إياه لإِيمانه بالله وبالنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله بعد نزول هذه السورة ؛ لم يجز أن تكون الآية نزلت إلا في خاص من الكفار . وإذ كان ذلك كذلك وكانت قادة الأَحزاب لا شك أنهم ممن لم ينفعه الله عز وجل بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم إياه حتى قتلهم الله تبارك وتعالى بأيدي المؤمنين يوم بدر ، علم أنهم ممن عنى الله جل ثناؤه بهذه الآية . وأما علتنا في اختيارنا ما اخترنا من التأويل في ذلك ، فهي أن قول الله جل ثناؤه : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ عقيب خبر الله جل ثناؤه عن مؤمني أهل الكتاب ، وعقيب نعتهم وصفتهم وثنائه عليهم بإيمانهم به وبكتبه ورسله . فأولى الأَمور بحكمة الله أن يتلى ذلك الخبر عن كفارهم ونعوتهم وذم أسبابهم وأحوالهم ، وإظهار شتمهم والبراءة منهم ؛ لأَن مؤمنيهم ومشركيهم وإن اختلفت أحواله باختلاف أديانهم ، فإن الجنس يجمع جميعهم بأنهم بنو إسرائيل . وإنما احتج الله جل ثناؤه بأول هذه السورة لنبيه صلى الله عليه وسلم على مشركي اليهود من أحبار بني إسرائيل الذين كانوا مع علمهم بنبوته منكرين نبوته بإظهار نبيه صلى الله عليه وسلم على ما كانت تسره الأَحبار منهم وتكتمه فيجهله عظم اليهود وتعلمه الأَحبار منهم ليعلموا أن الذي أطلعه على علم ذلك هو الذي أنزل الكتاب على موسى ، إذ كان ذلك من الأَمور التي لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم ولا قومه ولا عشيرته يعلمونه ولا يعرفونه من قبل نزول الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم ، فيمكنهم ادعاء اللبس في أمره عليه الصلاة والسلام أنه نبي ، وأن ما جاء به فمن عند الله . وأنى يمكنهم ادعاء اللبس في صدق أمي نشأ بين أميين لا يكتب ، ولا يقرأ ، ولا يحسب ، فيقال قرأ الكتب فعلم أو حسب فنجم ، وانبعث على أخبار قراء كتبه قد درسوا الكتب ورأسوا الأَمم يخبرهم عن مستور عيوبهم ، ومصون علومهم ، ومكتوم أخبارهم ، وخفيات أمورهم التي جهلها من هو دونهم من أحبارهم ؟ إن أمر من كان كذلك لغير مشكل ، وإن صدقه والحمد لله لبين . ومما ينبئ عن صحة ما قلنا من أن الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ هم أحبار اليهود الذين قتلوا على الكفر وماتوا عليه اقتصاص الله تعالى ذكره نبأهم وتذكيره إياهم ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق في أمر محمد عليه الصلاة والسلام بعد اقتصاصه تعالى ذكره ما اقتص من أمر المنافقين واعتراضه بين ذلك بما اعترض به من الخبر عن إبليس وآدم في قوله : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ الآيات ، واحتجاجه لنبيه عليهم بما احتج به عليهم فيها بعد جحودهم نبوته . فإذا كان الخبر أولا عن مؤمني أهل الكتاب وآخرا عن مشركيهم ، فأولى أن يكون وسطا عنه ، إذ كان الكلام بعضه لبعض تبع ، إلا أن تأتيهم دلالة واضحة بعدول بعض ذلك عما ابتدئ به من معانيه ، فيكون معروفا حينئذ انصرافه عنه . وأما معنى الكفر في قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فإنه الجحود . وذلك أن الأَحبار من يهود المدينة جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وستروه عن الناس وكتموا أمره ، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم . وأصل الكفر عند العرب تغطية الشيء ، ولذلك سموا الليل كافرا لتغطية ظلمته ما لبسته ، كما قال الشاعر : فتذكرا ثقلا رثيدا بعد ما * ألقت ذكاء يمينها في كافر